دكان التبغ

فرناندو بيسوا
ترجمة: المهدي أخريف



1

لا أساوى شيئاً
ولن أكون ابداً لا شئ .
لا أستطيع أن أرغب فى أن أكون لا شئ
عدا هذا , أملك كل أحلام العالم فى دخيلتى ..
نوافذ غرفتى ,
غرفة واحد من هؤلاء الملايين فى العالم
لا أحد يعرف من هو
(وحتى لو عُرف , ماذا سيُعرف عنه ؟)
نوافذ مطلة على غوامض شارع يجتازه الناس باستمرار
تطل على شارع يصعب على الفكر ارتياده
واقعى , واقعى حتى الاستحالة , واضح بطريقة لا تخطر على البال
بغوامض الأشياء تحت الأحجار والكائنات
بغوامض الموت الذى يُخزّز الحيطان
ويزرع البياض فى شعور الرجال
بالمصير الذى يقود الكل فى عربة اللاشئ
أنا اليوم مهزوم كما لوكنت أعرف الحقيقة
صاح كما لو كنت على وشك الموت
لا أخوة مع الأشياء لدى أكثر من
أخوة وداع فيما هذا المنزل وذلك الجانب من الشارع
يغدوان صفاً من عربات قطار
صفارة ممتدة داخل جمجمتى
رجة فى أعصابى وطقطقة
فى عظامى لحظة الإقلاع
أنا اليوم مبلبل الخطر كمن فكّر فوجد ثم نسى كل شئ
أنا اليوم موزع بين انحيازى
للطبكيرية المقابلة كشئ واقعى من الخارج
وبين الإحساس بأن كل شئ هو مجرد حلم
بوصفه شيئاً واقعياً من الداخل
أخفقت فى كل شئ
ولما لم يكن عندى أى هدف من أى نوع فقد بات كل شئ
غير ذى قيمة لدى
ما لقنونى إياه
قذفت به من النافذة الخلفية .
لقد ذهبت إلى الحقول تحدونى غايات كبيرة
وجدت أشجاراً وأعشاباً فحسب
والناس الذين كانوا هناك كانوا مثل الآخرين .
أترك النافذة مفتوحة وأجلس على كرسى .. فيم ينبغى أن أفكر ؟
ماذا أستطيع أن أعرف عما سأكون أنا الذى لا أعرف من أكون ؟
أن أكون ما أفكر فيه ؟ أفكر أن أكون أشياء عديدة !
وهناك الكثيرون يفكرون أن يكونوا ذلك الشئ نفسه الذى لا يمكن للكثيرين أن يكونوه .
أعبقرى أنا ؟ فى هذه اللحظة ثمة
مئة ألف دماغ تؤمن مثلى بأحلام عبقرية
ومن يدرى هل سيحفظ التاريخ حلماً واحداً منها
وهل سيبقى غير الزبل للعديد من الغزوات المستقبلية
كلا .. لا أومن بنفسى
فى كثير من المارستانات يوجد مجانين كثيرون ذوو يقينيات كثيرة
وأنا الذى لا أملك أيا منها . أأكثر تأكداً من الأشياء أم أقل ؟
كلا , لا أومن بنفسى
أليس ثمت فى كثير من غرف السطوح وغيرها
نبغاء لأنفسهم فى هذه الساعة يحلمون ؟
كم من تطلعات رفيعة ونبيلة وصاحية
- إن كانت حقاً رفيعة ونبيلة وصاحية -
ربما قابلة للتحقيق
لن ترى أبداً نور الشمس الفعلية ولن تصل إلى آذان الناس ؟
العالم مخلوق لمن ولدوا كى يمتلكوه
لا لمن يحلم بأنه قادر على امتلاكه ,
ولو كان على صواب
لقد حلمت بأكثر مما حلم به نابليون نفسه
ضممت إلى صدرى المفترض إنسانيات
أكثر مما ضم المسيح
شيدت فى السر فلسفات أكثر من كل ما كتب أى كانط .
لكن كنت وسأكون دائماً مجرد ساكن غرفة فى سطح
ولو لم أعش فيها ..
سأبقى دائماً من لم يُخلق لذلك
سأبقى دائماً ذلك الذى امتلك بعض المزايا
سأكون دائما ذلك الذى توقع أن يفتحوا له باباً فى جدار بلا باب
والذى غنى ترنيمة اللانهائى فى خُم الدجاج
الذى سمع صوت الله فى بئر مغلقة .


2


أوَ أومن بنفسى ؟ لا بنفسى ولا بأى شئ
لتسكب الطبيعة
شمسها ومطرها على رأسى المتقد
ولتكنس ريحها شعرى
وما تبقى ليات
إذا كان لا بد أن يأتى
أولا يأتى أبداً .
عبيد قلبيون للنجوم نحن
نفتح العالم قبل نهوضنا من السرير
نستيقظ فإذا هو صفيق
نخرج إلى الشارع فإذا هو غريب عنا
وهو الأرض بأكملها والنظام الشمسى ودرب التبانة


وما لا يحدد ..
( كلى الشوكولاته يا ضغيرة
كلى الشوكولاته !
سترين لا توجد ميتافيزيقا تُضاهى الشوكولاته
سترين كل الديانات لا تُعلّم أكثر مما تعلمه المِقشدة
كُلى أيتها الصغيرة القذرة كلى !
ليتنى أستطيع أكل الشوكولاته بمثل اليقين الذى به تأكلينها
غير أننى أفكر لدى نزع اللفافة الفضية التى هى ورقة من قصدير
فى أن أقذف إلى الأرض بكل شئ مثلما فعلت بحياتى نفسها )
لكن تبقى على الأقل مرارة ما لن أكونه أبداً
الخط السريع لهذه الشعار
بوابة منكسرة على المستحيل
إننى على الأقل أمحض نفسى ازدراءً بلا دموع
نبيلُ على الأقل بفعل الحركة الجنتلمانية التى أرمى بها فى تيار الأشياء
الثياب القذرة التى هى أنا
لأبقى فى بيتى من غير قميص .
( أنت التى تواسين وليس لك وجود ’ لذلك تواسين
إلهةً يونانية كنتِ ’ مثل تمثال وُهب الحياة
أو نبيلة رومانية , مستحيلة ومشؤومة
أميرة تروبادوريين , مركيزة زاهية من القرن الثامن عشر
لطيفة جداً وملونة ذات لباس مكشوف وبعيدة
عاهرة شهيرة من زمن أجدادنا , أو من شئ حديث لا أستطيع حتى أن أتخيله
كونى كل ذلك كيفما كان ’ وإذا كان هذا هو الإلهام فلتلهمينى!
قلبى دلو مقلوب
مثل مُحضّرى الأرواح
أستحضر روحى فلا يظهر شئ
أدنو من النافذة وأنظر إلى الشارع بوضوح مطلق
أرى المتاجر , الرصيف , أرى السيارات التى تمر , أرى الأحياء بملابسهم يتقاطعون
أرى الكلاب الموجودة بدورها
وكل هذا يثقل على مثل حكم بالنفى
كل هذا , لا يمت بصلة إلى , مثل كل شئ )
لقد عشتُ , أحببت بل وآمنت حتى
واليوم لا يوجد متسول لا أحسده على حاله , فقط لأنه ليس أنا ..
فى كل شخص أرى الأسمال , القرحة والكذب .
وأفكر : ربما ما عشت قط ولا أحببت ولا آمنت
(إذ من الممكن أن نغير واقع هذا كله بدون أن نفعل أى شئ منه )
ربما كنت موجوداً بالكاد مثل سحلية بتروا لها الذنب
فالذنب وحده ينط وينط , مفصولا عن الجسد
فعلت بنفسى ما لم أكن أعرفه
وما كان بإمكانى أن أفعله بى لم أفعله
القناع الذى ارتديته لم يكن قناعى الأفضل
وفوراً حسبونى ذلك الذى لم أكنه , لم أفند حسبانهم وضيعت نفسى
عندما أردت نزع القناع
التصق بوجهى
عندما نظرت فى المرآة
كنت قد شخت
ثملا كنت , لم أعد أعرف وضع القناع الذى لم أنزعه
طوحت به
وفى خزانة الثياب نمتُ
مثل كلب مُعتنى به
لكونه غير مؤذٍ
لسوف أكتب هذه الحكاية لأبرهن على نبلى .


3


يا جوهر موسيقى أشعارى اللامجدية
هل أقدر أن ألقاك كشئ يخصنى , كشئ انا صانعه
بدلا من أن أبقى قبالة الطبكيرية
حيث أدوس وعيى بأننى موجود
مثل بساط يتعثر فوقه سكير
أو حصير سرقه غجر وهو لا يساوى حبة خردل .
لكن صاحب الطبكيرية ظهر بالباب ولبث واقفا هناك
أنظر إليه بضيق من يحمل رأساً فى وضع غير مريح
بضيق فهم سئ للروح .
سيموت هو وأموت أنا
هو سيترك يافطته وأنا سأخلف أشعارى
بعد حين ستتلاشى اليافطة وأشعارى ستغيب
بعد ذلك سيموت الشارع حيث كانت اليافطة
ثم تموت اللغة التى بها كتبت تلك الأشعار
فيما بعد سوف يتلاشى الكوكب السيار الذى حدث فيه هذا كله ..
فى كواكب أخرى لمجموعات أخرى سوف تواصل كائنات
شبيهة بالبشر
وضع أشياء تشبه الأشعار
تشبه العيش تحت يافطة متجر
دائما شئ ما قبالة شئ آخر
دائماً شئ لا جدوى منه تماماً مثل آخر
دائماً ما هو مستحيل وما هو واقعى فى البلادة سواء
دائما سر العمق أكيد مثل غوامض السطح
دائما هذا الشئ أو دائما ذاك أو لا هذا ولا ذاك
لكن هناك رجلاً دخل الطبكيرية ( ألشراء التبغ ؟)
فإذا الواقع المعقول يهوى بغتة على مرة واحدة
أنتصب بحيوية , مقتنعاً , إنسانياً
وأبدأ فى كتابة هذه الأبيات التى سأقول فيها العكس
أشعل سيجارة لدى التفكير فى كتابة الأبيات
وأتذوق فى السيجارة حرية الانعتاق من كل أشكال التفكير
أدخن وأتابع الدخان كما لو أنه مسارى الخاص
وأتلذذ فى لحظة إحساس
بالتحرر من كل التأملات
واعياً أن الميتافيزيقا إنما هى نتيجة لمزاج متعكر
وبعد هذا كله أتراجع فوق مقعدى
وأتابع التدخين
سأتابع طالما القدر يتيح ذلك لى
( لو تزوجت ابنة غسالتى لربما كنت سعيداً الآن )
أغادر مقعدى , ما دام الأمر كذلك , أتجه صوب النافذة
لقد خرج الرجل من الطبكيرية ( أَوَدسّ بقية النقود فى جيب البنطلون )
آه إننى أعرفه , إنه استيبا الذى بلا ميتافيزيقا
( صاحب الطبكيرية يعود إلى باب دكانه )
مدفوعاً بغريزة إلهية , إستيبا استدار
ولمحنى :
حيانى بيده فصحت به ! وداعاً استيباً
وإذا الكون
يتشيد من جديد فى داخلى
بدون مثل أعلى ولا أمل
وصاحب الطبكيرية يبتسم .

15 يناير 1928